U3F1ZWV6ZTIzODYwOTkwODI4OTUxX0ZyZWUxNTA1MzU3NjI5NTIzMA==
أهلا وسهلا بكم في موقع المتميز للمعلومات . ستجدون في هذا المنتدى كل ما تحتاجون إليه من المعلومات المهمة والمفيدة

الاسباب الحاملة على التشدد والتساهل في نقد الرجال

 

الاسباب الحاملة على التشدد والتساهل في نقد الرجال



لقد كثرت الاسباب الحاملة على تعنت وتشدد بعض النقاد, الذين تكلموا في الرجال, وطعنوا, وضعفوا رواة كثيرون بدون حجة, او بناءاَ على هواهم, وكذلك الاسباب التي ادت الى تساهل بعضهم في الحكم بتوثيق رجال وهم ضعفاءُ او مجاهيل.

فالطبيعة البشرية التي قد تغلِب على الناقد بحيث يميل طبعه إلى التشدد، وينفر من التساهل والاعتدال مما يؤثر على رأيه في التجريح والتعديل. فسوف اذكر تلك الاسباب بشكل مفصل وكما يأتي :

السبب الاول : اختلاف العقيدة او المذهب والرأي :

     من اهم الاسباب الحاملة على التشدد والتساهل هو اختلاف العقائد والمذاهب, الذي وقع فيها كثير من النقاد, فقد جرحوا وضعفوا رجال ثقات وائمة, وذلك لانهم ليس على مذهبهم, او عقيدتهم, او رأيهم .

     يقول الحافظ ابن حجر: ( وأعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق)([1]).

   وقال الحافظ ايضاً: (ومما ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب([2]) أبي اسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها في التشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلق وعبارة طلقة، حتى أخذ يلين مثل الأعمش، وأبي نعيم, وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق، ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ المحدث، فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فيتأنى في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد)([3]) .

     ومن هذا القبيل تحامل أهل الحديث على أهل الرأي، فإنه يجب أن يتوقف فيه ويتأنى في قبوله([4]) .

    يقول الإمام تاج الدين عبدالوهاب السبكي: (ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: ( وينبغي أن يكون المزكون براء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفا من أن يحملهم ذلك إلى جرح عدل، أو تزكية فاسق، وقد وقع الكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم، وهم المخطئون والمجروح مصيب)([5]) .

     ويقول الامام الشافعي - رحمه الله - : ( ولا نقبل الجرح من الجارح إلا بتفسير ما يجرح به الجارح المجروح فإن الناس قد يجرحون بالاختلاف والأهواء ويكفر بعضهم بعضا

ويضلل بعضهم بعضا، ويجرحون بالتأويل، فلا يقبل الجرح إلا بنص ما يرى هو مثله بجرح

سواء أكان الجارح فقيها أو غير فقيه لما وصفت من التأويل )([6]).

     ومن هذه الأحكام أيضا قول الطوسي فيما نقله عنه الغريفي بقوله: ( ومما يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه, أنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار, ووثقت الثقات منهم, وضعفت الضعفاء, وفرقوا بين من يعتمد عليه في حديثه وروايته, ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم, وذموا المذموم, وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب, وفلان مختلط, وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد, وفلان واقفي، وفلان فطمي, وغير ذلك من الطعون التي ذكروها )([7]) .

     يقول الذهبي في ترجمة عبد المؤمن بن خلف (أبو يعلى النسفي): (… وكان من علماء الظاهرية, وكان شديد الحب للآثار محطا على أهل القياس)([8]). وقال ابن حجر في ترجمة نعيم بن حماد: (إنه كان شديدا على أهل الرأي)([9]).

     وكذلك الخلاف الذي وقع بين المحدثين والأشاعرة , يقول تاج الدين السبكي وهو يتحدث عن الذهبي : هذا شيخنا الذهبي له علم وديانة وعنده على أهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه.... وهو شيخنا  ومعلمنا غير أن الحق أحق ان يتبع وقد وصل من التعصب المفرط الى حد يسخر منه , وانا اخشى اليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين , فإن غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعري لا يبقي ولا يذر....([10]). 

     وقد ترك بعض المحدثين البخاري من أجل مسألة اللفظ. قال عبدالرحمن بن ابي حاتم في ترجمة الامام البخاري: (... سمع منه ابي وابو زرعة ثم تركا حديثه عندما كتب اليهما محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري انه اظهر عندهم ان لفظه بالقرآن مخلوق)([11]) .

     فقال الذهبي تعليقاً لذلك: (ان تركا حديث او لم يتركاه , البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم)([12]) .

     إذن فاختلاف العقيدة أصبح مطعنا عند بعض العلماء الذين لم يستطيعوا أن ينجردوا عن أهوائهم وعند بعض الفرق كذلك([13]) .

     وكذلك الحال تساهل الناقد فيمن كان معه على توافق في العقيدة, أو المذهب, فإنه قد يتساهل في تعديله ويرفعه فوق ما يستحق بسبب هذا التوافق.

     يقول الامام الذهبي: (قد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه أو في حال شيخه ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك)([14]) .

 

السبب الثاني : التحامل او المنافسة الواقعة بين الاقران والتعاصر :

     ومن الاسباب المؤدية إلى التشدد في الحكم على الرواة هو المنافسة الواقعة بين الاقران والمعاصرين, فقد تقع كثيراً من المشادات الكلامية بينهم, مع انهم على درجة من العدالة والوثاقة.

     قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - بعد ذكره الاختلاف في العقائد: ( ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب, فكثيرا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره, وكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل )([15]).

 

     ويقول الامام الذهبي: ( كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصمه الله )([16]).

     ومن أمثلة هذه الطعون: ما أورده الذهبي في ترجمته لأبي نعيم الأصبهاني بقوله:               ( ولأبي عبد الله بن مندة حط على أبي نعيم من قبل المذهب كما للآخر حط عليه فلا ينبغي أن يلتفت إلى ذلك الواقع الذي بينهما )([17]) .

              وفي طبقات الحفاظ للسيوطي: (قال الذهبي لا يقبل قوله (أي قول أبي نعيم) فيه (أي في أبي مندة) كما لا يقبل قول أبي مندة في أبي نعيم للعداوة المشهورة بينهما)([18])

 

السبب الثالث: عدم اتصاف الجارح بالعدالة : 

ان جميع علماء الحديث اتفقوا على اشتراط العدالة لمن اشتغل بالحديث , فمعرفة العدالة وثبوتها يعتمد على علماء الجرح والتعديل, فلا يمكن ان توكل مهمة التجريح لمن هو فاقد للعدالة.

قال نظام الدين الانصاري: (لا بد للمزكي ان يكون عدلاً)([19]) .

 ويقول عبدالرحمن بن يوسف بن خراش في عمرو بن سليم الزرقي: (ثقة في حديثه اختلاط)([20]), فقال ابن حجر تعليقاً لقول ابن خراش: (ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت الى قوله) ([21]) .

 وقال الازدي في ترجمة صالح بن قدامة المدني: (فيه لين), فرد ابن حجر: (لا عبرة لقول الازدي اذا انفرد)([22]) .

لهذا أصبح جليَّاً أنَّ مَن لم يتَّصِف بالعدالة يكون مستعداَ ومهيَّئا للتفريط أو الإفراط في أحكامه ، فوجب التنبه على ذلك .

 

 

السبب الرابع: جهل الراوي بما هو شائع عن المجروح :

     ان بعض النقاد يجهلون ما هو شائع عن الراوي من العدالة والضبط, أو من عدم ذلك فيجرحون ويعدلون على ظنونهم ومعرفتهم الناقصة.

     يقول الدكتور محمود عيدان: (ومن المسائل التي يجب أخذها بنظر الاعتبار الشهرة والذيوع جرحا أو تعديلا. فلا يلتفت إلى جرح من استفاضت عدالته واستطالت عدالته لأن  الجرح في مثل هذا شذوذ عن المحفوظ، والشاذ لا يقوى على رد المحفوظ مطلقا)([23]).

     ويقول تاج الدين السبكي: (لا يتلفت إلى كلام ابن ابي ذئب في مالك بن انس, وكذا لا يلفت الى كلام النسائي في احمد بن صالح, لان هؤلاء ائمة مشهورون صار الجرح الى الجارح لهم كالاتي بخبر غريب, لو صح لتوفرت الدواعي على نقله, وكان القاطع قائماً على كذبه)([24]) .

 

ويقول ابن الصلاح: (من ذلك جرح النسائي لأحمد بن صالح, وهو حافظ إمام ثقة لا يعلق به جرح أخرج عنه البخاري في صحيحه)([25]) .

     ومن ذلك أيضا كلام ابن معين في الإمام الشافعي، قال الذهبي: (قد أذى ابن معين نفسه في كلامه على الشافعي, فلم يلتفت الناس إلى كلامه, ولا إلى كلامه في جماعة من الاثبات, كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس, فإنا نقبل قوله دائما في الجرح والتعديل, ونقدمه على كثير من الحفاظ ما لم يخالف الجمهور في اجتهاده ، فإذا انفرد بتوثيق من لينه الجمهور, أو بتضعيف من وثقه الجمهور وقبلوه, فالحكم لعموم أقوال الأئمة لا لمن شذ)([26]) .

وكلام الذهبي هذا ينطبق بصورة عامة على كل أحكام أهل الجرح والتعديل وليس مقتصرا على أحكام ابن معين. فبهذا الاعتبار نفسه أعرض المحدثون عن توثيق الشافعي لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، إذ الجمهور على تضعيفه.

 

السبب الخامس: عدم معرفة الجارح او المعدل بما يعد جرحاً او تعديلا عند العلماء :

     ومن الاسباب الحاملة على تشدد وتساهل النقاد هو جهل الناقد بما يعد جرحاً عند العلماء المشهورين, وكذلك الحال في تساهل المعدل اذ يعدل بما ليس بمعدل .

فكم من أناس جرحوا فلما استفسر الجارح ذكر ما لا يوجب جرحا ولا يسقط عدالة. فإذا كان الحال على ما ذكرناه فإن مثل هذا الجرح لا يعارض به تعديل المعدلين.

              وكذلك الأمر في التعديل فقد يعدل المعدل راويا بما ليس بمعدل. وبالتالي فلا ينظر إلى مثل هذا التعديل أو ذلك الجرح.

       يقول السبكي: ( ومما ينبغي ان يتفقد ايضا حاله في العلم بالأحكام الشرعية فرب جاهل ظن الحلال حراما فجرح به ومن اوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال وقال الشافعي - رضي الله عنه - حضرت بمصر رجلا مزكيا يجرح رجلا سئل عن سببه والح عليه فقال رايته يبول قائما قيل وما في ذلك قال يريد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلي فيه قيل هل رايته قد اصابه الرشاش وصلى قبل ان يغتسل ما اصابه قال لا ولكن اراه سيفعل قال صاحب البحر وحكي ان رجلا جرح رجلا وقال انه طين سطحه بطين استخرج من حوض السبيل)([27]) .

     وقال الذهبي في ترجمة حبيب بن أبي ثابت: (قال البخاري: سمع ابن عمر، وابن عباس, وتكلم فيه ابن عون, فقلت: وثقه يحيى بن معين، وجماعة, واحتج به كل من أفراد الصحاح بلا تردد، وغاية ما قال فيه ابن عون: كان أعور, وهذا وصف لا جرح)([28]) .

     وروى الخطيب بسنده إلى محمد بن جعفر المدائني قال: (قيل لشعبة لم تركت حديث فلان؟ "قال رأيته يركض على برذون([29]) فتركت حديثه)([30]).

     اما بالنسبة لتعديل المعدل لمن ذكر في حقه وهو ليس من التعديل في شيء, فقد قال الامام السيوطي: ( كما قد يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة كما روى يعقوب الفسوي في تاريخه قال: سمعت إنسانا يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف قال إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنه ثقة فاستدل على ثقته بما ليس بحجة لأن الحسن الهيئة يشترك فيه العدل وغيره )([31]) .

    وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب: (وقال البخاري في التاريخ: كان يحيى بن سعيد يضعفه, وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي, عنده وقال يعقوب بن سفيان عن أحمد بن يونس: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة)([32]) .

 
السبب السادس: جهل الناقد في الترتيب الزمني في الراوي الواحد :

     ومعنى ذلك لا يلتفت لتجريح متأخر, وقد اشتدَّ في جرحه أو تعديله اذا كان الراوي وثقه الائمة المتقدمون,  وكذلك الحال بتوثيق المتأخر, لمن جرحه جمع من النقاد, وذلك أن الراوي أعرف بمشايخه ومعاصريه، وأدرى بأحوالهم وحديثهم, وكذلك كلما قرب زمن الراوي من شيخه كلما كان حكمه في ذلك أقرب إلى الحق، فإن طول العهد، وتباعد الزمان أدعى لاحتمال ضعف النقل، وكثرة الوسائط، وعليه فإن توثيقه إذا كان من أهل الخبرة، والدراية، والاعتدال، مقدم على تضعيف المتأخر ، إذا جمع على نفسه ثلاثة أمور وهي :

1- التشدد

2- والتأخر

3- والمخالفة.

     فمن ذلك أن أبان بن صالح القرشي: وثقه جماعة من علماء الجرح والتعديل المتقدمين , وضعفه ابن عبد البر وابن حزم الاندلسي, وهم من المتأخرين, فلم يلتفت احد لقولهم .

     يقول عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين: (ثقة), وكذلك قال يعقوب بن ابي شيبة: (استشهد به البخاري)([33]).

وقال العجلي: (كوفي ثقة)([34]).

وقال أبو زرعة وابو حاتم: (ثقة)([35]).

    وبعد هؤلاء جميعا جاء ابن حزم الاندلسي, وابن عبد البر, فحاولا تضعيف الراوي ابان القرشي, فقال ابن حزم فيه: (ليس بالمشهور)([36]), وقال ايضاً: (ليس بالقوي)([37]).

وقال  ابن عبد البر: أنه (ضعيف)([38]).

     قال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل كلام الأئمة فيه: (وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه, فلم يضعف أبانا أحد قبلهما, ويكفي فيه قول ابن معين ومن تقدم معه)([39]).

 

السبب السابع :  عدم اتصاف الجارح بالورع والتقوى :

     ومن ذلك الاسباب ايضاً: هو عدم اتصاف بعض النقاد بالورع والتقوى, فلا يؤخذ بقولهم, وذلك لأن والورع والتقوى يعصمان المسلم عن التعصب والهوى ويمنعانه من التساهل في هذا الأمر الخطير, وكذلك يحملانه على الإنصاف ومراقبة الله تعالى.

    يقول الحافظ ابن حجر: (والكلام في الرجال يحتاج إلى ورع تام وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث، وعلله، ورجاله)([40]) .

     وقال ايضاً ناقلا قول الإمام ابن دقيق العيد : (أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس الحكام والمحدثون)([41]) .

    ويقول الإمام اللكنوي: (ويشترط في الجارح والمعدل العلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب)([42]) .

  ويجب على الجارح أن ينظر إلى نفسه بعين التجرد لكي يعلم دوافع أحكامه لأن كل إنسان أعلم بخويصة نفسه([43]).

     يقول الإمام اللكنوي: (فإن أنست من نفسك أيها (الجارح أو المعدل) فهما وصدقا ودينا وورعا، وإلا فلا تفعل وإن غلب عليك الهوى والعصبية للرأي أو المذهب فبالله لا تتعب)([44]).

 

السبب الثامن: عدم اتصاف الجارح باليقظة والتثبت :

     وكذلك من اسباب التشدد والتساهل في نقد رواة الحديث النبوي الشريف عدم اتصاف الناقد باليقظة والتثبت, فقد يجرح ويعدل الرواة, وهو بنفسه لم يتصف بهتين الصفتين .

 يقول الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: (وينبغي أن لا يقبل الجرح إلا من عدل متيقظ)([45]). ومعنى كلامه اشتراط العداة اليقظة التامة في نقاد الرواة ابتعادا عن مجانبة الصواب في الأحكام الصادرة منهم في حق الرواة .

وقال الامام الذهبي: (ولا سبيل إلى أن يصير العارف - لذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم - جهبذا إلا بادمان الطلب والفحص عن هذا الشأن, وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والانصاف والتردد إلى العلماء والاتقان)([46]).

وقال الذهبي ايضاً : (وينبغي على المتصدي للنقد أن يكون ثبيتا)([47]) .

     وقال ابن ابي حاتم: (إن الناقد لا بد أن يكون متيقظا، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفى النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر)([48]).

 

السبب التاسع: جهل الجارح بأسباب الجرح والتعديل :

      ان بعض النقاد لا يعلمون الاسباب التي لأجلها يجب  ان يعدل او يجرح الرواة, فبهذا الجهل قد يجرحون من هو ثقة وثبت, او يعدلون من هو غير ثقة, او كذاب ، ويبالغون في أحكامهم ، وهي مبنية على وهم قائم في عقولهم.

     يقول الدكتور محمود عيدان: (ان الجارح إذا لم يكن عالما بأسباب الجرح والتعديل فإنه لا يؤمن, والحالة هذه أن يجرح بما ليس بجرح. وكذلك الحال بالنسبة للمعدل إذ جهله بذلك يمكن أن يجعله يصدر حكمه بتعديل من لا يستحق العدالة لعوارض يراها يحسبها مما تثبت بها العدالة, وهي في حقيقتها بخلاف ذلك)([49]) .

     ويقول الإمام تاج الدين السبكي: (من لا يكون عالما بأسباب الجرح والتعديل, لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد)([50]) .

وقال الإمام النووي: (والجرح لا يقبل إلا من عارف بأسبابه)([51]).

     وقال ايضاً: (إنما يجوز الجرح لعارف به مقبول القول فيه، أما إذا لم يكن الجارح من أهل المعرفة أو لم يكن ممن يقبل قوله فيه فلا يجوز له الكلام في أحد من الناس فان تكلم كان كلامه غيبة محرمة)([52]) .

 

السبب العاشر: عدم تنقيح المنقول وإعمال النظر فيه :

     قد يقبل الناقد ما نقل إليه عن الراوي, من غير بحثٍ او تدقيق, مع إساءةٍ للظن به, والبناء على القرائن المتوهّمة .

ومثال ذلك: فقد روى الخطيب بسنده عن  شعبة بن الحجاج, قال: قلتُ للحكم بن عتيبة: لِمَ لم تروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام([53]). فبنى على كثرة كلامه كثرة وقوع الخطأ منه . قال السخاوي: (وهذا ليس بلازم ولا مطرد ، ولا بمثله تُرد أحاديث الرواة([54]) .  

 

السبب الحادي عشر: جهل الناقد بأحوال الرواة السابقين :

     ومن الاسباب الحاملة على التشدد والتساهل عدم معرفة الناقد بأحوال الرواة القدماء, من حيث مقاصدهم, واغراضهم, وغير ذلك .

  يقول عبد الرحمن بن ابي حاتم: ( ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الاخبار المروية، عارفا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم واغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى ان يعرف احوال الراوي متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والامانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟: ثم يعرف احوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم واوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه....)([55]).

     ومثال ذلك: قال ابن حجر في ترجمة اسرائيل بن يونس: (وبعد احتجاج الشيخين به لا يحمل من متأخر لا خبرة له بحقيقة حال من تقدمه أن يطلق على إسرائيل الضعف ويرد الأحاديث الصحيحة التي يرويها دائما لاستناده إلى كون القطان كان يحمل عليه من غير أن يعرف وجه ذلك الحمل)([56])

 

السبب الثاني عشر: دخول الراوي في أمر الدنيا :

     وقد يتشدد الناقد في حكمه على الراوي لدخوله في عمل السلطان او كولاية الحسبة أو القضاء ونحوه.

     قال الحافظ ابن حجر: (وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم أخبرنا لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط والله الموفق)([57]) .

ومثال على ذلك قال الحافظ ابن حجر: (ابو الزناد المدني أحد الأئمة الأثبات الفقهاء وثقه الناس ويقال إن مالكا كرهه لأنه كان يعمل للسلطان)([58]) .

وقال الحافظ ايضاً في ترجمة خالد بن مهران الحذاء: (تكلَّم فيه شعبة لدخوله في شيءٍ من عمل السلطان)([59]) .


المراجع :

[1] هدي الساري مقدمة فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: دار المعرفة-بيروت 1379: (ص: 382)

[2] ثلب: ثَلَبَهُ ثَلباً، إذا صرَّح بالعيب وتنقّصَهُ: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (ت: 393هـ) / تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار / دار العلم للملايين – بيروت / ط4  1407 هـ‍ - 1987 م . (1/ 94)

([3]) لسان الميزان: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) تحقيق: دائرة المعرف النظامية – الهند / مؤسسة الأعلمي  للمطبوعات بيروت – لبنان / ط2، 1390هـ /1971م . (1/16).

[4] جرح الرواة وتعديلهم: الدكتور محمود عيدان احمد - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان/ ط1 – 2013م (ص174) .

([5]( قاعدة في الجرح والتعديل: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت : 771هـ)  تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة / دار البشائر – بيروت / ط5، 1410هـ، 1990م . (1/35)

([6]) الأم/ الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (ت: 204هـ) دار المعرفة – بيروت 1410هـ/1990م ( 7/53) .

([7]) قواعد الحديث: محي الدين الموسوي الغريفي: مطبعة الآداب-النجف: العراق: ط1: (ص21) .

 

([8]) تذكرة الحفاظ: الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي  (ت: 748هـ): دار الكتب العلمية بيروت-لبنان – ط1، 1419هـ- 1998م   (3/866) .

([9]) تهذيب التهذيب: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني           (ت: 852هـ) / مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند – ط1، 1326هـ  10/ 460.

([10]) ينظر: طبقات الشافعية / تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت: 771هـ) تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو / هجر للطباعة والنشر والتوزيع / ط2، 1413هـ: (2/190).

[11] الجرح والتعديل : أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (ت: 327هـ) طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند - دار إحياء التراث العربي – بيروت / ط1، 1271 هـ 1952 م . (7/191)

[12] سير اعلام النبلاء: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت : 748هـ) تحقيق : مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط/ مؤسسة الرسالة / ط3 ، 1405 هـ / 1985 م . (10/116)

[13] جرح الرواة وتعديلهم: دكتور محمود عيدان (ص175)

([14]) الموقظة في علم مصطلح الحديث: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت: 748هـ) / اعتنى به: عبد الفتاح أبو غُدّة / مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب / ط2، 1412 هـ .( ص84).

([15]) لسان الميزان: ابن حجر (1/16).

([16]) ميزان الاعتدال:  شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت: 748هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي / دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان /ط1، 1382هـ - 1963 م  (1/251) .

([17]) تذكرة الحفاظ : الذهبي ( 3/ 197) .

([18]) طبقات الحفاظ: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ) دار الكتب العلمية – بيروت / ط1، 1403 : ( 1/409 )

[19] فواتح الرحموت: عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري (ت 1225هـ) مكتبة المثنى/ بغداد 1970 (3/328)

[20] تهذيب التهذيب: ابن حجر (8/44)

[21] ينظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري: ابن حجر (1/431)

([22]) ينظر: المصدر السابق (4/399)

[23] جرح الرواة وتعديلهم: محمود عيدان (ص166)

([24]) ينظر: طبقات الشافعية: للسبكي (2/12)

([25]) مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح: مؤلف «علوم الحديث»: عثمان بن الصلاح عبدالرحمن بن موسى بن أبي النصر الشافعي (577 هـ - 643 هـ)/ مؤلف «محاسن الاصطلاح»: عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، العسقلاني الأصل، ثم البلقيني المصري الشافعيّ، أبو حفص، سراج الدين (ت: 805هـ). تحقيق: د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أستاذ الدراسات العليا، كلية الشريعة بفاس، جامعة القرووين/ دار المعارف (ص: 656)

([26]) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت: 748هـ) تحقيق: محمد إبراهيم الموصلي, دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان ,ط1، 1412هـ - 1992م (ص29-30) .

[27] قاعدة في الجرح والتعديل: السبكي (ص: 53)

[28] ينظر: ميزان الاعتدال: الذهبي (1/ 451)   

([29]) البرذون: الدابة قال الكسائي الأنثى من البراز ين برذونه / ينظر: مختار الصحاح للرازي: مادة (برذن) :(ص: 32).

([30]) الكفاية في علم الرواية: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت: 463هـ)  تحقيق: أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني / المكتبة العلمية - المدينة المنورة :(110) .   

[31]  تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي  (ت: 911هـ) : تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي / دار طيبة (1/ 307) .

[32]  ينظر: تهذيب التهذيب: ابن حجر (5/ 328)

[33] تهذيب الكمال في أسماء الرجال: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي (ت: 742هـ)  تحقيق: د. بشار عواد معروف / مؤسسة الرسالة – بيروت / ط1، 1400 – 1980 . (2/11)

[34] معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم /أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلى الكوفى (ت: 261هـ) / تحقيق: عبد العليم عبد العظيم البستوي /مكتبة الدار - المدينة المنورة – السعودية (1/ 198) .

[35]  الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 297)

([36]) المحلى: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت 456) تحقيق لجنة إحياء التراث/ دار الآفاق الجديدة – بيروت (1/198).

([37]) المصدر نفسه (7 / 137).

([38]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (ت: 463هـ) تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي , محمد عبد الكبير البكري, وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب (1/312) .

([39]) تهذيب التهذيب: ابن حجر (1/95).

([40]) الموقظة في علم مصطلح الحديث: الذهبي (ص: 82) .

([41]) لسان الميزان: ابن حجر: (1/16) .

([42]) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي، أبو الحسنات (ت: 1304هـ) تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة, مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب, ط3، 1407ه : (52).

[43] جرح الرواة وتعديلهم : دكتور محمود عيدان (ص150)

([44]) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: اللكنوي: (ص 53).

([45]) شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (ت: 1014هـ) تحقيق: قدم له: الشيخ عبد الفتح أبو غدة، حققه وعلق عليه: محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم, دار الأرقم - لبنان / بيروت (137) . 

([46]) تذكرة الحفاظ: الذهبي: (1/4) .

([47]) ميزان الاعتدال: الذهبي: (8/4) .

([48]) الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم الرازي (1/3) .

[49] ينظر: جرح الرواة وتعديلهم: محمود عيدان(ص152).

([50]) ينظر: جمع الجوامع: تاج الدين السبكي: (2/12) .

([51]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي ت: 676هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت, ط2، 1392 (1/125) .

([52]) المصدر السابق (1/124).

[53] الكفاية في علم الرواية: الخطيب البغدادي (ص: 112)

[54] فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (ت: 902هـ) / تحقيق: علي حسين علي / مكتبة السنة – مصر / ط1، 1424هـ / 2003م  ( 3 / 331 ) .

([55]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/3) .

([56]) هدي الساري: ابن حجر (382) .

[57] فتح الباري: ابن حجر (1/ 385) .

([58]) مقدمة فتح الباري : ابن حجر (ص411) .

([59]) ينظر: المصدر نفسه ( ص 485 ) .

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة